ابراهيم بن عمر البقاعي

26

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء ، ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه ، ولذلك نهى عن النفس في الإناء لأنه ربما أنتن فعافته النفس ، وأما الطعام فيلحسن إناءه والأصابع لنيل البركة وهو أنظف ، ثم علل ذلك بقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * أي لا يكرمهم ، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر ، ومن جملة السرف الأكل في جميع البطن ، والاقتصاد الاقتصار على الثلث كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس » « 1 » و « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن » « 2 » و « الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد » « 3 » أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، قال الأطباء : الأمعاء سبعة ، فالمعنى حينئذ أن الكافر يأكل شبعا فيملأ الأمعاء السبعة ، والمؤمن يأكل تقوتا فيأكل في معي واحد ، وذلك سبع بطنه ، وإليه الإشارة بلقيمات ، فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - واللّه أعلم - وسبب الآية أنهم كانوا يطرحون ثيابهم إذا أرادوا الطواف ، يقولون : لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها ، ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده ، وكانوا لا يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما ، فقال المسلمون : يا رسول اللّه ! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فأنزلت « 3 » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 32 إلى 34 ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 )

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه الترمذي 2380 والنسائي في الكبرى 6768 و 6769 وابن ماجة 3349 وابن حبان 674 و 5236 والحاكم 4 / 121 والقضاعي 1340 و 1341 والطبراني 20 / ( 646 ) وأحمد 4 / 132 من حديث المقدام بن معد يكرب وذكره ابن حجر في شرحه على البخاري 9 / 528 وحسنه ، وسكت عنه الحاكم ، وقال الذهبي : صحيح . وقال الترمذي : حسن صحيح . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 5397 و 5396 ومسلم 2063 والترمذي 1819 وابن ماجة 3256 وابن حبان 161 و 162 ومالك 3 / 109 وأحمد 2 / 257 من حديث أبي هريرة . ( 3 ) مرسل . أخرجه الواحدي في أسبابه 453 من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا ، ولم يذكرها في آخره ( كانوا لا يأكلون الطعام . . . ) . وعجزه عند الواحدي لكن برقم 454 من طريق الكلبي وهو متهم . وانظر الدرر المنثور 3 / 45 [ الأعراف : 31 ] . وله شاهد عند مسلم برقم 3028 من حديث ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت ، وهي عريانة ، فتقول : من يعيرني تطواقا تجعله على فرجها . . . فنزلت هذه الآية : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ .